الغزالي

81

إحياء علوم الدين

بيان سرعة تقلب القلب وانقسام القلوب في التغير والثبات اعلم أن القلب كما ذكرناه ، تكتنفه الصفات التي ذكرناها ، وتنصب إليه الآثار والأحوال من الأبواب التي وصفناها ، فكأنه هدف يصاب على الدوام من كل جانب ، فإذا أصابه شيء يتأثر به ، أصابه من جانب آخر ما يضاده ، فتتغير صفته . فإن نزل به الشيطان فدعاه إلى الهوى ، نزل به الملك وصرفه عنه . وإن جذبه شيطان إلى شر ، جذبه شيطان آخر إلى غيره . وإن جذبه ملك إلى خير ، جذبه آخر إلى غيره . فتارة يكون متنازعا بين ملكين وتارة بين شيطانين ، وتارة بين ملك وشيطان . لا يكون قط مهملا . وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( ونُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأَبْصارَهُمْ ) * « 1 » ولاطلاع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عجيب صنع الله تعالى ، في عجائب القلب وتقلبه ، كان يحلف به فيقول [ 1 ] « لا ومقلَّب القلوب » وكان كثيرا ما يقول [ 2 ] « يا مقلَّب القلوب ثبّت قلبي على دينك » وقالوا أو تخاف يا رسول الله ! قال « وما يؤمّننى والقلب بين إصبعين من أصابع الرّحمن يقلَّبه كيف يشاء » وفي لفظ آخر « إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه » وضرب له صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثلة فقال [ 3 ] « مثل القلب مثل العصفور يتقلَّب في كلّ ساعة » وقال عليه السّلام

--> « 1 » الانعام : 110